في تحرك دبلوماسي لافت يعكس تصاعد مخاوف دول المنطقة من اندلاع مواجهة عسكرية جديدة بين الولايات المتحدة وإيران، يتناول الكاتب جاسم العزاوي في مقاله كيف اتجهت السعودية وتركيا وباكستان إلى فتح قناة مباشرة للحوار مع طهران، رغم ارتباط الدول الثلاث بشراكات أمنية مع واشنطن، في محاولة لاحتواء التوترات الإقليمية والحد من تداعيات أي تصعيد عسكري محتمل.


وفي مقال رأي نشره موقع ميدل إيست مونيتور، يستعرض العزاوي دلالات زيارة مسؤولين رفيعي المستوى من السعودية وتركيا وباكستان إلى العاصمة الإيرانية، والرسائل السياسية والأمنية التي حملتها هذه الخطوة، فضلًا عن حدود قدرة الأطراف الإقليمية على التأثير في حسابات طهران وواشنطن.


في 26 أكتوبر، وصل مسؤولون بارزون من ثلاث دول تُعد شركاء أمنيين لواشنطن في المنطقة إلى طهران، حيث جلسوا إلى طاولة المفاوضات مع أحد أشد خصوم الولايات المتحدة. وترأس الوفد وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، ورافقه رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن، ورئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير. والتقوا الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ووزير الخارجية عباس عراقجي، ومحسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني. لكن الولايات المتحدة لم تكن حاضرة في الاجتماع.


وجاءت الزيارة وسط تحذيرات من احتمال استئناف الضربات الأمريكية بعد انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، المقررة في 3 نوفمبر. وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أبلغ أنصاره بأن واشنطن قد تشن «عملية غضب ملحمي صغيرة أخرى»، في إشارة إلى عملية «الغضب الملحمي» العسكرية التي أطلقتها الولايات المتحدة ضد إيران بالتعاون مع إسرائيل في 28 فبراير.

 

وأشارت تقارير لاحقة إلى أن حلفاء واشنطن في المنطقة تلقوا إحاطات بشأن احتمال تنفيذ ضربات قصيرة ومكثفة، وما قد تثيره من ردود انتقامية. ولم يُعلن عن اتخاذ قرار نهائي في هذا الشأن، لكن الخطر بدا وشيكًا بما يكفي لدفع الرياض إلى التواصل المباشر مع طهران.


وضم الوفد ممثلين عن الدول الثلاث الموقعة على اتفاقية مكة للدفاع المشترك، التي وقّعت في 7 أغسطس. وتنص الاتفاقية على اعتبار أي هجوم مسلح خارجي يستهدف أحد أطرافها هجومًا على جميع الأطراف، مع ترك طبيعة المساعدة المطلوبة وحجمها لتقدير الدول المعنية.

 

وأكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أنه لا ينبغي النظر إلى الاتفاقية باعتبارها «تحالفًا أُنشئ ضد إيران أو إسرائيل أو أي دولة أخرى». كما قدّم وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إطارًا أوسع للأمن الإقليمي باعتباره مسارًا نحو تحقيق الاستقرار الدائم. وهكذا، لم يمضِ على توقيع الاتفاقية سوى أقل من ثلاثة أشهر حتى بدأ أعضاؤها الجمع بين الردع والحوار.

 


 تحالف مكة بين الردع والحوار.. هل تنجح الوساطة في احتواء التوتر؟


قدّمت الرياض الزيارة باعتبارها خطوة لإدارة الأزمة، إذ أعلنت وزارة الخارجية السعودية أن الهدف يتمثل في «خفض التصعيد بين أطراف الأزمة الحالية». ووصف رضائي أجواء الاجتماع بأنها «إيجابية للغاية»، مشيرًا إلى اتفاق المشاركين على ضرورة اضطلاع دول المنطقة بتوفير أمنها الإقليمي دون تدخل خارجي. كما اتفقوا على مواصلة المشاورات. غير أن البيانات العلنية الصادرة عن الاجتماع لم تتضمن جدولًا زمنيًا أو ترتيبات ملزمة لضمان خفض التصعيد.


وادعى رضائي لاحقًا أن الأمير خالد حذّر من احتمال استهداف إسرائيل لتركيا والسعودية في نهاية المطاف. لكن هذا التصريح يظل رواية المسؤول الإيراني، ولم يصدر ما يؤكده علنًا عن الجانب السعودي.


مثّلت اليمن اختبارًا عاجلًا للرياض. فقد أفادت قناة «الحرة»، الممولة من الحكومة الأمريكية والناطقة بالعربية، بأن هجمات شنّتها جماعة الحوثي اليمنية، المعروفة باسم «أنصار الله»، منذ سبتمبر، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 17 شخصًا في السعودية، وإصابة المئات، وتعطيل آلاف الرحلات الجوية.

 

وخلال اجتماعات طهران، أعلنت جماعة الحوثي تنفيذ هجمات جديدة استهدفت مطار الرياض ومحطات الضخ على طول خط أنابيب النفط الممتد من الشرق إلى الغرب. ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من صحة هذه الادعاءات. وفي المقابل، أعلن التحالف الذي تقوده السعودية اعتراض خمسة صواريخ باليستية كانت متجهة نحو الرياض والمنطقة الشرقية من المملكة، إلى جانب طائرات مسيّرة استهدفت جنوب البلاد.


ويمنح خط الأنابيب هذه التهديدات أهمية استراتيجية كبيرة، إذ ينقل النفط الخام السعودي إلى البحر الأحمر، موفرًا مسارًا بديلًا للتصدير يتجاوز مضيق هرمز.


وكان عراقجي قد صرّح في 20 أكتوبر بأن الرياض والحوثيين لم يستجيبا لمبادرة الوساطة الإيرانية. ولم يسفر اجتماع طهران عن إعلان أي اتفاق لوقف الهجمات. ونقلت مصادر إقليمية أُحيطت علمًا بالمناقشات إلى صحيفة «ذا ناشيونال» الصادرة في أبوظبي أن السعودية وشركاءها طلبوا من إيران كبح جماح الحوثيين. وفي الوقت نفسه، أكد محاورون إيرانيون أن طهران لا تملك النفوذ الكافي لإجبار الجماعة على الامتثال.


ويكتسب هذا التمييز أهمية كبيرة؛ فالعلاقة التي تربط إيران بالحوثيين تمنحها نفوذًا عليهم، لكنها لا تثبت قدرتها على إصدار الأوامر ببدء كل هجوم أو إيقافه.


وفي حديثه إلى قناة «الحرة»، أشار جريجوري جوز، الباحث في معهد الشرق الأوسط بواشنطن، إلى قيد إضافي يتمثل في عدم استعداد تركيا أو باكستان لممارسة ضغوط عسكرية أو اقتصادية على إيران. وبالتالي، تظل قدرتهما على تغيير حسابات طهران محدودة. وكانت الرياض تأمل في الحصول على مساعدة إيرانية لتوسيع أي تفاهم خليجي ليشمل اليمن، لكن قدرة طهران على تحقيق ذلك، والشروط التي قد تفرضها، ظلتا مسألتين دون حسم.


ومع ذلك، استمرت التحركات الدبلوماسية؛ إذ زار وسطاء قطريون طهران في 30 أكتوبر. وبحلول 1 نوفمبر، أعلن عراقجي أن نائبه سافر إلى قطر لإجراء مزيد من المشاورات، مستبعدًا في الوقت نفسه عقد اجتماع مباشر مخطط له مع ممثلين أمريكيين. ولم تسفر المناقشات المتعلقة بالصراعات الإقليمية وإعادة فتح مضيق هرمز عن اتفاق معلن حتى ذلك الوقت. وظلت قنوات التواصل مفتوحة، لكن نتائجها بقيت غير مؤكدة.

 


اتفاقية الدفاع المشترك وحدود النفوذ الإقليمي


تفرض اتفاقية الدفاع المشترك قيودًا خاصة بها أيضًا. ففي أواخر أكتوبر، كانت الاتفاقية لا تزال خاضعة للمراجعة داخل البرلمان التركي، كما يشترط نصها دخولها حيز التنفيذ بعد تصديق جميع الأطراف عليها. ولا تعني صياغة الدفاع الجماعي صدور أمر تلقائي بإرسال القوات إلى ساحات القتال؛ إذ شدد مسؤولون أتراك على أن أي تحرك عسكري يظل خاضعًا للقرارات الوطنية والمتطلبات البرلمانية لكل دولة.


ويتسق هذا الحذر مع طبيعة المهمة الدبلوماسية؛ فأنقرة وإسلام آباد تسعيان إلى دعم الرياض دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة وغير محددة المدة مع إيران أو الحوثيين. وقالت غونول تول، الباحثة في معهد الشرق الأوسط، لقناة «الحرة»، إن الشركاء الثلاثة يمتلكون نفوذًا محدودًا على كل من واشنطن وطهران. ورأت أن منع المزيد من التصعيد يعتمد في نهاية المطاف على التوصل إلى تفاهم بين العاصمتين.


وأثارت زيارة بزشكيان إلى موسكو في 27 أكتوبر تفسيرًا آخر، مفاده أن طهران تعمل على تشكيل قوة موازنة للولايات المتحدة. لكن سياق الزيارة يدعم استنتاجًا أكثر محدودية؛ إذ شارك الرئيس الإيراني في قمة منتدى الدول المصدرة للغاز، التي التقى خلالها أيضًا أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وأظهرت الزيارة وجود تنسيق دبلوماسي، لكنها لم تثبت وحدها نشوء اصطفاف أمني جديد.


ومع ذلك، حملت التصريحات رسائل واضحة؛ إذ قال بزشكيان إن المشكلات الإقليمية يمكن حلها «دون الولايات المتحدة»، فيما أعرب بوتين عن أمله في تحسن الأوضاع. وعقب الزيارة السابقة التي أجراها وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إلى طهران، قال عراقجي إن إيران وروسيا لم تعملا يومًا بمثل هذا المستوى من التقارب. وتعكس هذه التصريحات مؤشرات مهمة على الشراكة بين البلدين، لكنها لا تثبت قدرة موسكو على التوصل إلى تسوية إقليمية.


وفي المقابل، واصلت واشنطن الجمع بين المسار الدبلوماسي والضغط العسكري. ففي 30 أكتوبر، وصف ترامب الصراع بأنه «حرب، لكنها ليست حربًا تقليدية»، وقال إن الولايات المتحدة لا تزال تملك وقتًا للتفاوض. وفي اليوم التالي، أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن ترامب لم يتخذ قرارًا بشأن شن ضربات إضافية، وأنه يفضّل التوصل إلى حل دبلوماسي. كما جدّد تأكيد الالتزامات الدفاعية الأمريكية تجاه السعودية. وأبرز اجتماع فيدان مع روبيو على هامش اجتماع وزراء خارجية مجموعة العشرين في أتلانتا هذه الحقيقة؛ فقناة التواصل مع طهران لم تحل محل الاتصالات مع واشنطن.

 


 تحرك خليجي لتفادي الحرب.. لا لتشكيل جبهة مناهضة لواشنطن


فما الذي يحدث إذن؟ لا يتعلق الأمر بتشكيل تكتل مناهض للولايات المتحدة، بل بمحاولة للتحوط من احتمال أن تؤدي القرارات الأمريكية والإيرانية إلى تحميل الدول المجاورة كلفة الصراع وتداعياته.


وتقع منشآت النفط السعودية والمطارات ومحطات تحلية المياه ضمن نطاق الأسلحة الإيرانية. وقد تكشف جولة جديدة من الحرب هذه المنشآت للمخاطر، بصرف النظر عن مستوى التنسيق بين الرياض وواشنطن. وفي حديثها إلى قناة «الحرة»، قالت آنا جاكوبس، الباحثة في معهد دول الخليج العربية بواشنطن: «تدرك هذه الدول أنها بحاجة إلى إيجاد صيغة للتعامل مع إيران».


ولا يتمثل الاختبار الحقيقي في توقف جميع هجمات الحوثيين فورًا، أو نجاح جولة واحدة من المحادثات في إنتاج اتفاق سلام شامل، بل في قدرة الدبلوماسية المستمرة على تحقيق انخفاض طويل الأمد في الهجمات، وضمان ضبط النفس المتبادل، والتوصل إلى ترتيبات تصمد أمام الأزمة المقبلة.


ولا يعني غياب واشنطن عن اجتماع واحد أن نفوذها قد اختفى، كما لا يعني تولي دول المنطقة زمام المبادرة الدبلوماسية أنها أصبحت قادرة بالفعل على ضمان أمنها بنفسها. لقد فتح شركاء اتفاقية مكة قناة للحوار مع طهران، لكن قيمة هذه الخطوة ستتوقف على قدرتهم على تحويل المحادثات إلى التزامات فعلية بضبط النفس.


فالمسؤولية الإقليمية عن الأمن تظل مجرد شعار ما لم يمتلك أصحابها القدرة على المساعدة في وقف الحرب.

 

https://www.middleeastmonitor.com/20261102-the-gulf-goes-to-tehran/